فخر الدين الرازي

133

تفسير الرازي

فقال : * ( وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ) * وهو الذي سبق ذكره في سورة الأنعام . ثم قال تعالى : * ( وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) * وتفسيره هو المذكور في قوله تعالى : * ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) * ( النساء : 160 ) . قوله تعالى * ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . اعلم أن المقصود بيان أن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة . ولفظ السوء يتناول كل ما لا ينبغي وهو الكفر والمعاصي ، وكل من عمل السوء فإنما يفعله بالجهالة ، أما الكفر فلأن أحداً لا يرضى به مع العلم بكونه كفراً ، فإنه ما لم يعتقد كون ذلك المذهب حقاً وصدقاً ، فإنه لا يختاره ولا يرتضيه ، وأما المعصية فما لم تصر الشهوة غالبة للعقل والعلم لم تصدر عنه تلك المعصية ، فثبت أن كل من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة ، فقال تعالى : إنا قد بالغنا في تهديد أولئك الكفار الذين يحللون ويحرمون بمقتضى السهوة والفرية على الله تعالى ، ثم إنا بعد ذلك نقول : إن ربك في حق الذين عملوا السوء بسبب الجهالة ، ثم تابوا من بعد ذلك ، أي من بعد تلك السيئة ، وقيل : من بعد تلك الجهالة ، ثم إنهم بعد التوبة عن تلك السيئات أصلحوا ، أي آمنوا وأطاعوا الله . ثم أعاد قوله : * ( إن ربك من بعدها ) * على سبيل التأكيد . ثم قال : * ( لغفور رحيم ) * والمعنى : إنه لغفور رحيم لذلك السوء الذي صدر عنهم بسبب الجهالة ، وحاصل الكلام أن الإنسان وإن كان قد أقدم على الكفر والمعاصي دهراً دهيراً وأمداً مديداً ، فإذا تاب عنه وآمن وأتى بالأعمال الصالحة فإن الله غفور رحيم ، يقبل توبته ويخلصه من العذاب .